سيد محمد طنطاوي
106
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله ورحمته على هذه الأمة ، حيث جعل كتابه ميسرا في حفظه وفهمه ، فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) * . أي : واللَّه لقد سهلنا القرآن * ( لِلذِّكْرِ ) * أي : للتذكر والحفظ ، بأن أنزلناه فصيحا في ألفاظه ، بليغا في تراكيبه ، واضحا في معانيه ، سهل الحفظ لمن أراد أن يحفظه . . فهل من معتبر ومتعظ ، بقصصه ، ووعده ، ووعيده ، وأمره ، ونهبه ؟ . وقد وردت هذه الآية في أعقاب قصة نوح وهود وصالح ولوط - عليهم السلام - ، لتأكيد مضمون ما سبق في قوله - تعالى - : ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الأَنْباءِ ما فِيه مُزْدَجَرٌ . حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ . وللتنبيه والإشعار بأن كل قصة من تلك القصص جديرة بإيجاب الاتعاظ ، وكافية في الاعتبار والازدجار لِمَنْ كانَ لَه قَلْبٌ ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ . والمقصود بالآية الكريمة التحضيض على حفظ القرآن الكريم والاعتبار بمواعظه ، والعمل بما فيه من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة ، وهدايات سامية . . ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قبيلة عاد مع نبيهم هود - عليه السلام - فذكرت ما حل بهم من عقاب بسبب كفرهم وطغيانهم ، فقال - تعالى - : [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 18 إلى 22 ] كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ ( 21 ) ولَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) والمراد بعاد ، تلك القبيلة التي ينتهى نسبها إلى جدهم عاد ، وكانت مساكنهم بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية . وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل اللَّه - تعالى - إليهم نبيهم هودا - عليه السلام - لكي يأمرهم بعبادة اللَّه - تعالى - وحده ، وينهاهم عن عبادة غيره . . وقد جاء الحديث عنهم بصورة أكثر تفصيلا ، في سور : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والأحقاف . . . ولم تعطف قصتهم هنا على قصة نوح التي قبلها ، للإشعار بأنها قصة مستقلة جديرة بأن يعتبر بها المعتبرون ، ويتعظ بها المتعظون . .